أحمد بن علي القلقشندي

398

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لهم فإذا أقحطوا أكل بعضهم بعضا ، فمرّ بهم ولم يعترضهم . واعلم أنه قد ذكر في « مسالك الأبصار » عن الشيخ علاء الدين بن النّعمان أن التّجار المتردّدين إلى بلاد الديار المصرية لا يتعدّون في سفرهم بلاد البلغار ، ثم يرجعون من هناك ، ثم تجّار بلغار يسافرون منها إلى بلاد جولمان ، وتجّار جولمان يسافرون إلى بلاد بوغزة التي ليس بعدها عمارة . وقد ذكر في « تقويم البلدان » أن شماليّ بلاد الرّوس مما هو متصل بالبحر المحيط الشماليّ قوما يبايعون مغايبة . وذكر عن بعض من سافر إلى تلك البلاد أنه إذا وصل التّجّار إلى تخومهم أقاموا حتّى يعلموا بهم ، ثم يتقدمون إلى مكان معروف عندهم بالبيع والشراء ، فيضع كلّ تاجر بضاعته ويعلَّمها بعلامة ، ثم يرجعون إلى منازلهم ، ثم يحضر أولئك القوم ويضعون مقابل تلك البضائع السّمّور ( 1 ) ، والوشق ، والثعلب ، وما شاكل ذلك ، ويدعونه ويمضون ثم يحضر التجّار من الغد فمن أعجبه ذلك أخذه وإلا تركه ، حتّى يتفاصلوا على الرضا . وقد تقدّم ذكر مثل ذلك عن قوم بالهند وعن قوم ببلاد السّودان في الكلام على مملكة مالَّي . قلت : وقد تقدّم في الكلام على مملكة خوارزم والقبجاق من مملكة التورانيين في القسم الثاني منها أن الجركس والرّوس والآص أهل مدن عامرة آهلة ، وجبال مشجرة مثمرة ، ينبت عندهم الزرع ، ويدرّ الضّرع وتجري الأنهار ، وتجنى الثّمار ، ولا طاقة لهم بسلطان تلك البلاد . وإن كان فيهم ملوك فهم كالرّعايا لصاحب السراي إن داروه بالطاعة والتّحف والطَّرف كفّ عنهم وإلا شنّ عليهم الغارات وضايقهم وحاصرهم .

--> ( 1 ) السّمّور : دابة معروفة يصنع من جلودها فراء غالية الأثمان . أنظر لسان العرب مادة ( سمر ) .